وأعاد البحرُ روحي أسرع يا ولدي .. ولترافقك السلامةْ بكل خطوةْ .. ليطل الله بعمري وأرى أولادك حولي أطال الله بعمركِ يا أماه .. وأنطلقُ بعد هذا المشهد الصباحي المتكرر.. يقال خير الأمور أوسطها .. لذا سأحكي قصتي من وسطها .. كنتُ شاباً أو أن صح قولي .. مراهقاً في الرابعة عشر من عمره .. كسولاً مهملاً .. متطاولاً على والديه .. لا يعرف شيءً من معاني الحياةْ إلا أن يكون متطلباً .. وأن لم تُحقق مطالبه فأن الدنيا ستُقلب .. وأن كان طلباً سخيفاً كأن لا أود أن يكون الغذاء سمكاً .. نحنُ خمسُ أشخاصٍ يعيلنا عجوزٌ مريض .. يعملُ صياداً للسمك .. أمتهن الصيد أباً عن جد .. وكان يود أن أكون كما هو .. هذا ما كان ينقصني أنا علي .. أستيقظ قبيل الفجر لأذهب للصيد .. قل الصبيان في الدنيا .. ألم أخبركم .. كنتٌ متذمراً .. لا يحمد الله على نعمه .. وكانت أمي إذا ما غضبت صاحت بيأس .. أن الله يمهل ولا يهمل .. سترى ضريبةَ أعمالك يا علي .. وكما يقال .. دعاء الأم مستجاب .. نائمٌ بأحلى نومي .. أحلمُ أحلامي الجميلةْ .. وكأن أحدٌ يبكي بالحلم .. ولما هذا البكاء وأنا أحلمُ أني بالنعيم .. يبدو وأن الواقع نغص عليّ .. فهذا وأن ما خاب ظني .. صوت أمي .. تولولُ كعادتها .. صرختُ فيهم أن يصمتوا وعدتُ لأنام .. ولكن هيهات فالأصوات .. حيناً بعد حين ترتفع وتكثر .. خرجتُ غاضباً .. ولكن .. ما هذه الحشود وما الذي يحدث .. غاصت أمي بحضني .. تخرج الحروف منها بصعوبة حرفٌ فشهقةٌ ونصف حرفٍ فشهقتين وكل ما فهمت منها أنني صرتُ يتيماً .. وكأنني قد ولدتُ معاقاً لا ينطق لا يرى لا يتكلم .. يكفي صوت البحر يتراقص بأذني.. وصوت والدي .. وهو يتمتم .. الدنيا فانيةْ يا ولدي .. ذهب أبي ذات صباحٍ ليأتي بقوت يومنا وما عاد .. بلعه البحر كما بلعته هموم الدنيا وأنا بين ليلةٍ وضحاها أصبحتُ مسئولاً عن خمس أفواهٍ أن استثنيتُ ذاتي .. والمدرسةِ التي طالما أردت أن أنسحب منها .. خرجتُ أحملُ أوراقي وبعيني دمعةٌ متحجرةْ .. يا لهُ من أمرٍ غريب أ فجأةً أحببتُ الدراسةْ ,, أم ماذا ..؟؟ ألافٌ من الأمور تتقافزُ بعقلي .. ولكنني سـ أبدُ بالمهم .. أنا بحاجةٍ لعمل .. ولكن أين سأحصلُ على عملٍ وأنا حتى الإعداديةِ لا أملك .. الجامعيون في بطالةْ فكيف حالي أنا يبدو وأنني عزيزُ النفس سأقبل حتى بـ أن أكون فراشاً .. رحماك ربي .. ويبدأُ معي مشوار الحياةْ بعيداً عن اللامبالاة ,, وطيش المراهق الذي كنتُ أنا .. وكأنما الروح التائهةْ .. قد عادت .. ولكن أي عودةْ ومتى .. !! فكرتُ في أن أبحث في الصحفِ عن عملٍ في مستوى قدراتي .. لكنني لم أرى ألا أعمالٌ ذات مطالبٍ تعجزيه كخبرةٍ لعدةِ سنين .. وشهادةِ جامعيةْ .. وما شابه ذلك .. لذا لا طريق أمامي إلا أن أجول من شركةٍ لأخرى ومن مصنعٍ لأخر .. وتوكلتُ على الله ذات صباحٍ صيفيٍ حار ولسوء حظي .. أينما ذهبت تكون الأبواب مؤصدةٍ بوجهي.. الناس الذين كانوا يشفقون علينا ملوا من فعل ذلك .. فكان لا بد من أن أدبر حالي بعملٍ مؤقت إلى أن يفرجها اللهُ بوجهي .. فأعمامي وأخوالي كلهم كما أبي .. بالكاد كانوا يعيلون أسره فكيف بالمزيد .. مرَ شهر وأنا بين عملي كحمالِ في أي مكان .. وبين البحث عن عملٍ ثابت يسد جوع أسرتي الحزينةْ .. جن الليل علينا .. ونام الأطفال على لحم بطونهم .. استلقيتُ على ألمي أدعو الله أن يوفقني .. فأتى صوت أمي شجيٍ يطرب مسامعي .. بعد أن كان يجعلني أستشيطُ غضباً .. نم يا ولدي .. وليوفقك الله .. فالصباحُ سيحمل البشرى معه .. وأتى الصباحُ ورحتُ أحملُ بين طياتهِ فرحٌ لست أعلم لما ولكني أشعرُ بالتوفيق .. ربما لدعاء أمي ليلة البارحةْ .. كان صاحبُ المصنع رجلٌ طيب .. وقف معي وقفةٍ لن أنساها أبداً .. وكرمني للتفاني في العمل بعد ثلاث شهورٍ من توظيفي .. كان عملي شاق بالنسبة لعمري .. لكنني أعتدتُ على الأمر ... استدعاني المسئول ذات مرةْ .. كنتُ قد أتمتُ عامي الأول تقريباً . . وأخبرني أن المدير يود رؤيتي فوراً .. انطلقتُ للمبنى الرئيسي مسرعاً .. وهناك كان أولُ إشراقٍ لمستقبلي .. طرقتُ الباب بخفةٍ متوترةْ .. ودخلت بعد أن أُذن لي .. طلب مني أن أجلس قائلاً .. اعتبرني كوالدك يا بني .. ولا تكن خجولاً أتحتاجُ شيءً ؟ أجبتُ نافياً .. وطال الحديثُ بيننا .. خرجتُ من عنده وأنا أفكر في اقتراحه الذي بدأتُ أستسيغه .. تترددُ كلماتهُ الرنانةِ كموسيقى الفرح في أذني .. أكمل دراستك يا ولدي .. أكلمها فــ العلمُ سلاح .. بعد خمسةِ أعوام .. ها أنا ذا يقف الفرحُ قبلي .. على منصةِ التخرج .. يقابلني وجه أمي الحنون .. وبجانبها أخوتي فخورين .. سعداء .. وكيف لا يفخرون .. وأنا بمثابةِ الأب لهم أدرس وأعمل .. وأساعدهم بدراستهم .. يلوح في الأفق طيف والدي .. يا ليته كان هنا .. لكان شامخ الرأس فخوراً .. ويصدحُ أسمي .. علي عبد الله .. بتقدير ممتاز مع رتبةِ الطالب المثالي .. فيقف من يعرفني ومن لا يعرفني .. ويضج المكان بالتصفيق والتصفير .. وكأنني لستُ أقف هنا .. كأنني بأحد أحلامي الخياليةْ .. يا فرحتي التي لا تُوصف .. بتلك الليلةْ .. احتفلتُ مع أسرتي .. وكانت حفلةُ سعادةٍ لم تطل علينا .. لا أعلم مذ متى .. فحينما كان والدي رحمه الله على قيد الحياةْ لم أكن ألازم المنزل لبرهةْ .. فهو كان بالنسبة لي فندقاً .. أرتاده للنوم والغذاء .. لذا هي حفلةُ فرحٍ لم أكن بها أبداً مذ ولدتُ على هذه الدنيا .. وأتى الصباحُ سريعاً .. يحملني على أوداجهِ .. ربيعٌ مفعمٌ بالأمل .. زقزقةُ العصافير المغردةْ .. تسبح الله بكل فرح .. لم أتعجل .. وقدتُ سيارتي بهملٍ أتأملُ المارةْ هنا وهناك .. إلى أن وصلت .. وكم عكس الشوق لهذا المكان رسمٌ على زاويةِ ماء البحر تطفو الابتسامةُ فيه بعد أن كانت غارقةْ .. فمنذ امتحاناتي النهائيةْ وأنا في أجازةْ .. الأجازةْ الصيفيةْ .. بعد أن كانت مجردُ أجازةٍ للنوم .. بعد استلام شهادةٍ يكون الرسوب سيدها .. أصبحت متعةً لذيذة .. بعد عناء الدراسةْ .. بالغد سأحتفل بعيد مولدي الحادي والعشرين .. أشعرُ أنه لن يكون كغيره .. ربما لأنني أطمح في مفاجأةْ أو ربما أستشعر أن أمراً رائعاً سيحدث .. وكان شعوري صادقاً .. فقد كانت المفاجأة مفرحةٌ مبكيةْ .. تضادٌ يحملني إلى ما لا أعلم .. ربما .. لشعوري حينما كنتُ بحضن أمي هذا الصباح .. أو ربما شعورٌ ينافس فرحةَ والدي .. حينما حملني لأول مره .. شعورُ أن تكون المتصدر على لائحة الفرح التي لا يفوز بها الكثير .. عدتُ للبيت أحمل معي .. جهاز كمبيوتر ٍ لأختي .. وأحمل بعض حاجيات المنزل الناقصة .. والأهم .. أنني كنتُ أحملُ أوراق الدراسةِ الجامعيةِ على نفقةِ المصنع .. سأتخصصُ في الهندسة .. فربما .. أساهم في إعادةِ هندسة المصنع وتطويره .. نحو الأفضل إن شاء الله .. وسأرد الجميل لهم بيومٍ من الأيام على خير تمت بعون الله في الخامس من مايو عام ألفان وخمسه ,, في الساعة الثانية عشر وستٌ وعشرون دقيقةْ منقوووووووووووووووول
آلمعـذرًٍْهـْ من الجميــًـعْ _< .....................................[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]..........