اللهم صل على محمد وآل محمد جفاه النوم، فأخذ يتقلب على فراشه، أفكار وأفكار تدور في عقله المثقل،شعر بآلام تغزو أطراف جسده النحيل وتعب شديد ،ضيقٌ كتم على أنفاسه فحاول التنفس بعمق، لكن هواء غرفته يخنقه. تمر أمامه صورة أخته الصغيرة وهي تبكي أريد فستان جديد للعيد! أريد حلوى العيد، لماذا يرتدي الجميع في يوم العيد كل جديد وأنا لا ؟! كل رفيقاتي يرتدين جميل اللباس وأنا لا ؟ لماذا؟ تنفس بعمق وآهة حزن خرجت من أعماق صدره المتعب. أخذ شريط الذكريات يمر أمامه، موت والده، بكاء أيتام، ألم ومعاناة، تشتت العائلة، خروجه من المدرسة رغم تفوقه، عله يُلبي حاجات عائلته الصغيرة التي بات مسئولا عنها، ومرضه الذي أقعده عن العمل لفترات متقطعة، تُقطع نياط قلبه نظرات والدته فيرى من بين ابتسامتها الدائمة شحوباً وألم ومعاناة، ومن بين عينيها دموع متجمدة حُرقة تحاول أن تخفيها دائماً ! لم يتمالك نفسه فأخذ يجهش بالبكاء كأنه طفل وليد، بات يبكي متألماً من هذه الذكريات حتى كادت وسادته تستنجد لكثرة دموعه التي أغرقتها. كان يقول في نفسه أود أن أُفرح أختي الصغيرة، أريد أن أرى ابتسامة صادقة تعلو وجه أمي، لم يحدث معنا كل هذا ؟ كان يحدث نفسه ويبكي بمرارة. انتبه لصوت يبعث بداخل النفس كل راحة و طمأنينة، إنه صوت أذان الفجر، رفع رأسه من على الوسادة وأخذ يجفف دمعه. فتح نافذة غرفته الصغيرة، أخذ يستمع لأذان الفجر وهو يبتسم لنسمات الهواء المنعشة.. توجه للوضوء وقام للصلاة، شعر براحة روحية لا توصف، فتح كتاب الأدعية الصغير ليقرأ دعاء الصباح، قال في نفسه سأتوكل على الله فهو يرزق أصغر مخلوقاته وأنا بعين الله. سأغفو قليلاً وأخرج بعدها لأستمر في البحث عن عمل أُطعم عائلتي التي بت مسئولا عنها. ولن يخذلني رب الأكوان، فثقتي بهِ كبيرة، امتحان صعب وسأجتازه بإذن الله فأنا قادر على ذلك سأجتازه حتماً. ما إن تسربت أشعة الشمس داخل غرفته اليتيمة حتى فاق وابتسامة ثقةٍ تعلو محياه، جهز هندامه وانطلق خارجاً .. ينتقل من شركة لأخرى رغم حرارة الجو، أتعبه المسير لكنه كان مصمم . لم يخذله الجواب الذي كان يسمعه دائماً (لا توجد وظائف!) أخذ يتنهد بعمق لن أفقد الأمل . يبدو أنه ليس لي سوى أحد المصانع سأتحمل التعب أعلم أنه عمل شاق جداً ورغم معاناة مرضي إلا أني سأتحمل، هكذا كان يقول في نفسه فعائلتي تستحق مني هذه التضحية. وصل لأحد المصانع وعلم من المقابلة أن هذا العمل شاق جداً وسيكلفه الكثير فهو سيحمل أداوت ثقيلة لمواد البناء وماشابه لينقلها من قسم لآخر! لم يتردد وقبل بهذه الوظيفة. رجع لوالدته منفرج الأسارير،حصلت على وظيفة يا أماه. كانت نظرات الأم تتساءل بقلق شديد عن ماهية هذه الوظيفة فهي تعلم بضعفه ومرضه وتعبه الدائم. ابتسم "نضال" مطمئناً والدته:سأكون بخير يا أماه فقط دعائكِ الدائم لي، قبّل جبينها وخرج يستعد لعمله الجديد وهو شعلة من الحماس والحيوية يريد تفجير كل طاقاته في سبيل نشر السعادة في منزلهم الصغير. ما إن بدأ نضال عمله في اليوم الثاني حتى رأى المسئول عن هذا الفرع من المصنع قادم من بعيد، أخذ ينظر نضال إليه بل ويمعن النظر! إنه رفيق الدراسة "علي" ! نعم هو علي ! علي: نضال؟!! كيف حالك؟ صافحه بحرارة وهو يسأله عن أموره ، عرف علي أن نضال وبعد وفاة والده ترك الدراسة ليتنقل من شركة لأخرى في محاولة لتوفير المعيشة الكريمة لعائلة خلفها والده بدون مدخول حتى كي يعيشوا! أخذ يتساءل "علي" عن صحة نضال التي كانت في تدهور كبير في الآونة الأخيرة ووعده أن يبقى معه ويقدم له يد العون كلما احتاج ذلك. مرت الأيام والشهور، كان العمل الشاق يأكل من جسم نضال النحيف،وبدأ الشحوب يظهر عليه والتعب يأخذ منه كل مأخذ، لكن إرادته كانت أقوى من كل ذلك. ذات يوم عرض "علي" على نضال إكمال دراسته، لكن نضال رفض: كيف أكمل دراستي؟من لأسرتي وأنت تعلم ضعفي ومرضي، أراه أمر مستحيل! ابتسم علي قائلاً : نحن هنا في المصنع بين الفترة والأخرى يُعلن عن ترقية بعض العمال وخصوصاً المجتهدين أمثالك يا نضال، فأنت فعلاً مناضل ولكنك لم تكمل الثانوية حتى، صدقني يا أخي لو تكمل دراستك فإن هذا سيخدمك كثيراً ، ثم من قال لك أنك ستترك العمل ؟! لن تترك العمل بل ستدرس مثلاً في محو الأمية في الليل بعد انتهاء دوامك، لازلت صغيراً يا نضال وبإمكانك أن تنجح، أنسيت كيف كنت مجتهداً ومتفوقاً ؟ كنت تنافسني وتحصد أعلى مني في أكثر مقررات الدراسة. لا أجبرك يا أخي ولكني أريد مصلحتك، فكر جيداً وأنا مستعد أن أساعدك في الدراسة، أما عن مرضك فأنا واثق أنك قادر على هزيمته بقوة إيمانك وصبرك وإرادتك الصلبة ربت "علي" على كتف نضال مبتسماً : أنا أعرفك أيها المناضل المكافح. كان نـضال يرمي بثقل جسده المنهك على فراشه عند عودته من العمل الشاق وهو يقاوم الألم الذي بات ينتشر بجسده بشكل موجع، لكنه يخفيه عن والدته لئلا يثير قلقها. ورغم مرور الأيام إلا أنه كان دائم التفكير بحديث رفيقه "علي"، كان يستبعد فكرة إكمال دراسته في فنية ويفكر في الأمر بجدية في فنية أخرى ! قطعت صمت أفكاره طرقات على باب غرفته فنهض متيقناً أنها والدته، تفضلي أماه، دخلت أم نضال وهي تمسك بين يديها وجبة خفيفة قم يا عزيزي وتناول بعض الطعام فجسمك يحتاج الغذاء والشراب. إلا أنه كان شارد الذهن تعلو قسمات وجه حزن مرير يحاول أن يخفيه فكان يتحاشى النظر لعيني والدته. أخذت تتساءل والدته: ما يحزنك يا ولدي؟ هل يتعبك العمل في هذا المصنع كثيراً؟ قطع نضال صمته مبتسماً في محاولة لإخفاء حزنه: أبداً يا أماه أنا بخير. لكن والدة نضال أصرت فهي تعرف ولدها جيداً، كيف لا وهو فلذة كبدها؟! ولدي نضال أنا أعلم أن هناك أمر ما يضايقك ولن أتركك حتى أعرف ماهو. ومع إصرار والدته قص نضال على أمه حديث رفيقه "علي" له بأن يكمل دراسته ولكنه يشعر بصعوبة في ذلك، فهو قد ترك الدراسة منذ فترة طويلة إضافة لمرضه الذي يقعده، لم يكن في يده غير أن يبوح بما يختلج نفسه من ألم ومعاناة وحزن لأمه الحنون . ابتسمت والدته: أتمنى يا ولدي وكما كنت أقول لك دائماً أن تكمل دراستك فعلاً فكلام رفيقك منطقي جداً، وهو قد عرض عليك المساعدة في شرح كل ما يصعب عليك، ثم أنت خرجت من الصف الثاني الثانوي ولم يبق سوى سنة واحدة، وأنا واثقة أن بمقدورك أن تُكمل دراستك فلماذا تعقد المسألة اعقدها وتوكل يا ولدي ، اعقدها وتوكل على الله فهو لا يخذل يا بني. قبّل نضال جبين والدته وهو يشعر بفرحة غامرة بداخله يصاحبها رغبة في البكاء، هذا من فضل ربي، هذا من فضل ربي! هكذا كان يقول بداخله. لم تمر سوى فترة بسيطة أخذ ينتظم نضال" في صفوف محو الأمية حاملاً معه الأمل والألم في نفس الوقت! كان صديقه علي " نعم الرفيق المخلص، يجلس معه لوقت متأخر، كان علي يتذكر السنين الماضية وكيف كان نضال يساعده في رفع مستواه التحصيلي في الدراسة، كان يقول في نفسه بسببه رفعت مجموعي الذي أهلني لوظيفة محترمة، لابد أن أرد الدين لك يا نضال !فكنت نعم الزميل لي أيام الدراسة. كان "علي" يشرح كل ما يصعب على نضال فهمه. أما نضال فقد استمر في عمله بدون تقاعس منه ليثبت للجميع أنه قادر على التوفيق بين الدراسة والعمل، وأن المرض لن يقعده ولن يشل حياته فهو نضال وسيبقى نضال ! يكافح ويناضل بإرادة قوية ملؤها الإخلاص والإيمان لرب الأكوان. مرت الأيام بسرعة وانتهت سنة من الجد والاجتهاد لم تكن خالية من المرض والألم يقابلها إرادة قوية، وجاء اليوم الذي وقف الجميع مندهشاً، نتيجة التعب والكد والاجتهاد أبكت نضال طويلاً فسجد على الأرض وهو يبكي ما إن استلم شهادته، كان مجموعه مرتفع جداً ويؤهله لعمل محترم يخفف عناءه وعناء أسرته فهو الآن يحصد الثمر. بفضل الله كانت الثمرة ناضجة حلوة المذاق! فعرف نضال أن من يتوكل على الله فإنه حسبه ولا يتركه أبداً، وأن من صلح دينه وحاول أن يوطد صلته بخالق الكون فإن حياته ستُيسر مهما كان الألم والمعاناة ومهما كانت الظروف قاسية. تذكر فضل والدته الني كانت تخفي الألم وتحرص على رسم الابتسامة على شفاهه وتشجعه باستمرار طوبى لي بأم رائعة كهذه . ولن ينسَ رفيقه المخلص الذي لا يوجد مثله إلا نادراً فقال في نفسه: لازالت الدنيا بخير، ابتسم قائلاً : إلهي وسيدي ومولاي أسجد لكَ شاكراً أن رزقتني ببلاء حسـن . فهل اجتزت هذا الامتحان بنجاح يا إلهي ؟؟
آلمعـذرًٍْهـْ من الجميــًـعْ _< .....................................[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]..........