بسم الله الرحمن الرحيم حوار مع رسام الدنيمارك دخلت عليه في مكتبه الواقع في الدور العشرين في مبنى مرتفع جداً كأنه ناطحة سحاب . كان جالساً على كرسيه وأمامه منضدة عليها كثير من الأوراق وأقلام الرصاص وألوان خشبية . كان متوتراً جداً ، وقسمات وجهه شديدة العبوس ، وهو منهمك في الرسم لدرجة أنه لم يحس بي عند دخولي ، حتى ألقيت عليه التحية . رفع رأسه ونظر إليه بشزر وكأنه يقول ما الذي أدخلك مكتبي دون استئذان . بادرته بالإجابة على ذلك الاستعلام البادي على وجهه . -عفواً ، طرقت الباب ثلاث طرقات ، وسمعت همهمة ظننتها إذن منك بالدخول . -همهمة – زاد غضبه ثم استدرك قائلاً : نعم تصدر مني أحياناً بعض الهمهمات حينما أكون داخل الصورة . -عفواً هل تمنحني جزءاً من وقتك ، وتجعل لي متسعاً في صدرك حتى أطرح عليك أسئلتي ، وأنا واثق من أن ذلك سيساعدك في عملك ويجعله سهلاً . نظر إلي طويلاً وأخذ يتأملني ، ثم سأل -من أين جئت ؟ -جئت من أمستردام . كنت صادقاً معه فرحلتي توقفت في أمستردام ثم واصلت طريقها إلى كوبنهاجن . -تبدو لي غريباً . -بالطبع فأنت لا تعرفني ، لكن لدي أسئلة تلحُّ عليّ كثيراً تبحث عن إجابة عندك . -تفضل سريعاً فأنا في غاية الانشغال . -هل ما زلت ترسم تلك الصور التي أثارت العالم ، واستفزت المسلمين ؟ -نعم ، وسأظل كذلك . -حسناً ، هل أنت ترسم واقعاً أو خيالاً ؟ -بل أرسم واقعاً . -هل أنت واثق ؟ -نعم ، بكل تأكيد . -وما هو دليلك على أن ما ترسمه هو الواقع ؟ -هاهم في أنحاء أوروبا وإمريكا ، بل انظر إليهم في العراق وأفغانستان ، انظر إليهم في فلسطين . -تعني الإرهاب إذن . -نعم ، أعني الإرهاب ، العنف ، الأخلاق والتصرفات المشينة . -إذن أنت تزكي نفسك . -وهل رأيت مني ما يريبك ؟! -وبماذا تفسّر هذه الرسومات ؟ هل ترى من العدل أن تصف الجميع بوصف البعض ؟! - الباقون تنقصهم الفرصة ، وهم مقدمون متى حانت لهم . -آه فهمتك الآن ، إذن كلكم عصابات مافيا لكن لم تتح لكم الفرصة بعد . -ماذا تقول ! أنت معنا أو معهم ؟ -أنا مع العدالة ، لماذا لا تعتبر مَن رأيتهم ولم يعجبك حالهم قد شذّوا عن القاعدة ، كما تعتبر المافيا شاذين عن القاعدة ؛ أنت تكيل بمكيالين . -أنا أُعبّر عن رأيي ، ومن حقي ذلك . -ومن حقهم أن يعبروا عن رأيهم بالطريقة التي يريدون . -ماذا تعني ؟ -أعني أنكم كذلك لستم على استقامة واحدة ، وفيكم ما فيكم من إرهاب وعنف وسوء ، فلو عمد أحد المسلمين إلى مثل رسوماتك فرسمها فيكم ، فمن حقه أن يُعبِّر كذلك عن رأيه . تضجر مني وجعل يدير رأسه بغضب . -هذا فوق الاحتمال ، اسمع أنا لم أرسمهم ، وإنما رسمت فقط رسولهم الذي يدّعونه . -أوه زاد الأمر سوءاً . -ماذا تقصد ؟ -لو كنت تصور المسلمين في رسمك لكان الأمر أهون ؛ لقلنا رأيت بعضهم فلم تعجبك تصرفاتهم فعبّرت عن رأيك في رسمك ، أما أن تعبر عن رأيك في شخص لم تلقه ، ولم تعرف عنه شيئاً ، فهو الإرهاب الذي تمقته ، ألا تشعر بأن هذا ظلم ؟! -هم يتبعوه ، ويصدرون عن أوامره . -إذن أنت مُصِرٌّ على موقفك المعادي للأديان ، أنت إرهابي وظالم . أشاح بوجهه وأدار ظهره -لا أبداً ، أنا لست كما تقول أنا لا أقصد هذا . اقتربت منه أكثر ، ودنوت من أذنه . -أنت لا ترضى أبداً أن يُمس جناب المسيح بسوء ولو من أبناء جنسك ، فهذا فيلم آلام المسيح رفضه النصارى كما رفضه المسلمون لأنهم يؤمنون بعيسى رسولاً ونبياً كما هو محمد عليهما الصلاة والسلام ، والمسلمون لم يتعرضوا أبداً بالإساءة إلى أي دين سماوي سواء اليهودية أو النصرانية ، وأنتم لا تشكرون لهم ذلك ، ولا تُقدّرونه لهم ، وترفعون شعار احترام الأديان وعدم المساس بها ، ثم إذا بكم تسيئون إلى الإسلام ، وتتبنون كل خارج عنه ، فلماذا هذا الكيل بمكيالين ؟! حاول أن يتهرب مني فبدأ يُبدي لي انشغاله حتى انصرف ، لكني لم أفعل وتابعت كلامي . -أنت تسيئ إلى الإسلام بتصرفك هذا ، وتثير النعرات ، والحكومة تؤيدك ، وتتغاضى عنك ، ولا تأبه بغضب المسلمين ، ولا باحتجاجاتهم ، ثم تسمون كل ردة فعل لهم بأنه إرهاب ، وأنتم الحاملون عليه ، وفي نفس الوقت تدعون حمل راية السلام إلى العالم كله ، ومحاربة الإرهاب وأنتم تصنعونه بأيديكم ، ما هذا التناقض ؟! قال بتذمر -أنت أخذت من وقتي الكثير ، لدي أعمال لا بد من إنجازها . -رسوم أيضاً ؟ اقرأ قبل أن ترسم ، اقرأ عن هذا الرجل الذي ملأ حبه قلوب أتباعه ، فهذه الملايين قد خرجت تدافع عنه ، وتستنكر رسوماتك . -همم .. همم وكيف لي أن أثق بأن ما كتبوه عنه كان صدقاً ؟! من المألوف أن مَن أحب شخصاً مجّده وامتدحه . -وكيف سيحبونه إن لم يكن كذلك ، أتظنهم اجتمعوا على حب وهم حاكوهوه بأناملهم ، حسناً اقرأ عن الدين الذي جاء به ، تعلم يقيناً صدق ما وصفوه به ، وهذا ما فعله سلفك ( هرقل ملك الروم ) ليتبين صدق النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وإليك القصة . أرسل هرقل إلى أبي سفيان بن حرب -وكان إذ ذاك على الشرك – في ركب من قريش أتوا الشام في تجارة ، فأتوه وهم بإيلياء ، فدعاهم في مجلسه ، وحوله عظماء الروم ، ودعا بترجمانه ، فسألهم : أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي ؟ فقال أبو سفيان : أنا أقربهم نسباً ، فسأله هرقل عدة أسئلة عن طريق ترجمانه ، كان من بينها : هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال به ؟ قلت : لا ، قال : فهل يغدر ؟ قلت : لا ، قال : ماذا يأمركم ؟ قال أبو سفيان : يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً ، واتركوا ما يقول آباؤكم ، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة . ثم قال لترجمانه قل له سألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ فذكرت أن لا ، فقد عرفت أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله ، وسألتك هل يغدر ؟ فذكرت أن لا ، وكذلك الرسل لا تغدر ، وسألتك بما يأمركم ؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ، وينهاكم عن عبادة الأوثان ، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف ، فإن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدميّ هاتين . وهكذا إذا تأملت الدين الذي جاء به عرفت يقيناً أنه كان على خلق عظيم ، وعلمت عظم جنايتك في هذه الرسومات ، واعترفت بهذه الحقيقة كما فعل المؤرخ الفرنسي جوستاف لوبون الذي عدّه من العظماء ، وقال عنه في كتابه الدين والحياة ص67 :[ لقد كان محمد ذا أخلاق عالية وحكمة ورقة قلب ورحمة وصدق وأمانة ] وقال أيضاً ص115:[ إذا ما قيست قيمة الرجال بجليل أعمالهم كان محمد –صلى الله عليه وسلم – من أعظم من عرفهم التاريخ ، وقد أخذ الغرب ينصفون محمداً –صلى الله عليه وسلم- مع أن التعصب الديني أعمى بصائر مؤرخين كثيرين عن الاعتراف بفضله ] ، والمفكر بول البريطاني الذي قال في كتابه رسالة في تاريخ العرب ص438: [ إن محمداً كان يتصف بكثير من الصفات كاللطف والشجاعة وكرم الأخلاق حتى إن الإنسان لا يستطيع أن يحكم عليه دون أن يتأثر بما تطبعه هذه الصفات في نفسه ودون أن يكون هذا الحكم صادراً عن غير ميل أو هوى ، كيف لا وقد احتمل محمد عداء أهله وعشرته ، سنوات بصبر وجلد عظيمين ومع ذلك فقد بلغ من نبله أنه لم يكن يسحب يده من يد مصافحه حتى لو كان يصافح طفلاً ! وإنه لم يمر بجماعة يوماً من الأيام رجالاً كانوا أم أطفالاً دون أن يسلم عليهم وعلى شفتيه ابتسامة حلوة ] ، وغيرهما من أمثال واشنجتون إيرفنج في كتابه حياة محمد ، والقسيس السابق دُرّاني الإنجليزي ، ود. جان ليك الأسباني في كتابه العرب . ولو قرأت القرآن الكتاب العظيم الذي جاء به ، وأخبر أنه كلام الله تعالى الذي أرسله للناس رسولاً ، وتأملت ما فيه من عجائب خلق الله تعالى في الكون ؛ من سماء وأرض ، وبر وبحر ، إنسان وحيوان ونبات ، مما أبهر العلماء فلم يملكوا أمام هذه الحقائق العلمية ، إلا أن يذعنوا بأنه من الله تعالى من أمثال كيث مور عالم التشريح والأجنة صاحب كتاب تطور الإنسان ، وألفرد كورنر عالم جيولوجي ، ولعلمت مدى إساءتك لهذا الدين . اقرأ قبل ن ترسم ، حتى ترسم واقعاً وحقيقة ، لا وهماً وخيالاً . فبقي فاغراً فاه مشدوهاً لا يحير جواباً ، فودعته قائلاً : [فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل] ، وستجد إجابة لكل تساؤلاتك ، إلى اللقاء بقلم د.الهام بدر الجابري أستاذ مساعد في السنة وعلومها جزى الله خيرا من نشره ومن ترجمه اضافة رد مع اقتباس نص هذه المشاركة
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]